الفصل الرابع: ما الذي نبدأ به فعلاً؟ (هرم الأولويات)

بعد أن شخصنا في الفصل السابق أين تضيع الميزانيات (في السعي وراء الكمية، وتقليد الكبار، والتركيز على القشور)، نصل الآن إلى اللحظة الفاصلة: لحظة اتخاذ القرار.

بصفتك صاحب عمل، أنت تعلم أن بناء ناطحة سحاب لا يبدأ بطلاء النوافذ، بل بحفر الأساسات. في عالم تحسين محركات البحث (SEO)، الترتيب ليس مجرد “أفضلية”، بل هو قانون صارم. إذا قفزت خطوة، لن ينجح ما بعدها.

في هذا الفصل، سنرسم “خارطة طريق للأولويات” تساعدك على التمييز بين ما يجب فعله “الآن”، وما يمكن تأجيله “للاحق”، وما يجب تجاهله تمامًا.

لماذا البدء الخاطئ يدمّر أي مجهود SEO؟ (مصفوفة الأولويات)

الخطأ الكلاسيكي الذي يقع فيه أصحاب المواقع هو الانجرار وراء “حرائق صغيرة” تبدو عاجلة، بينما ينهار المبنى ببطء.

وفقًا لمصفوفة إدارة الوقت التي يستشهد بها خبراء السيو، ينفق الكثيرون وقتهم في “الربع الأول” (أمور عاجلة ومهمة) أو “الربع الثالث” (أمور عاجلة وغير مهمة)، مثل الذعر بسبب انخفاض طفيف في ترتيب كلمة واحدة، أو الانشغال بتغيير وصف ميتا لصفحة لا يزورها أحد.

بينما يكمن النجاح الحقيقي في “الربع الثاني”: الأمور (غير العاجلة ولكنها مهمة جدًا). هذه الأمور هي التي تبني الأصل الرقمي، مثل:

• تخطيط هيكلية الموقع بشكل صحيح.

• إنشاء محتوى عالي الجودة يدوم لسنوات.

• بناء علاقات للحصول على روابط قوية.

الدرس الاستراتيجي: إذا بدأت بـ “تحسينات شكلية” وموقعك يعاني من خلل في الهيكل الأساسي، فأنت تضع محركًا لسيارة فيراري داخل هيكل سيارة متهالكة.

الطبقات الأساسية: افهم قبل أن تبني

قبل أن تطلب من فريقك “كتابة مقالات” أو “شراء باك لينك”، يجب أن تمر بهذه الطبقات بالترتيب:

الطبقة الأولى: الأساس التقني (إمكانية الوصول)

السؤال الأول ليس “كيف أرتب موقعي؟” بل “هل يستطيع جوجل رؤيتي أصلاً؟”. أساس هرم الأولويات هو “إمكانية الزحف” (Crawl accessibility).

ماذا يعني؟ أن تسمح برمجيات موقعك لـ “عناكب” جوجل بالدخول وقراءة المحتوى.

القرار: لا تنفق دولارًا على المحتوى إذا كان موقعك يمنع جوجل تقنيًا من الوصول إليه. تأكد أن ملفات التوجيه (مثل robots.txt) لا تغلق الأبواب في وجه المحرك.

ابدأ بمراجعة أساسيات السيو التقني لضمان الوصول

الطبقة الثانية: المحتوى المقنع (الإجابة)

بعد أن يدخل جوجل، ماذا سيجد؟ هل سيجد صفحات فارغة أم “محتوى مقنعًا يجيب على استفسار الباحث”؟.

القرار: المحتوى هو الأثاث داخل منزلك الرقمي. لا تدع الزوار يدخلون إلى غرف فارغة.

الطبقة الثالثة: الكلمات المفتاحية (اللغة)

الآن، هل تتحدث لغة جمهورك؟ هنا يأتي دور تحسين الكلمات المفتاحية لجذب الباحثين والمحركات.

القرار: لا تستهدف كلمات عشوائية. استهدف الكلمات التي يستخدمها عملاؤك بالفعل لوصف مشاكلهم.

انتقل بعدها لبناء استراتيجية محتوى تلبي احتياجات العميل

الطبقة الرابعة: تجربة المستخدم (الراحة)

هل موقعك سريع؟ هل يعمل على الموبايل؟ تجربة المستخدم الرائعة (Great user experience) وسرعة التحميل تأتي لتعزيز ما سبق، وليس قبله.

ما الذي يجب البدء به دائمًا؟ (قائمة التحقق الاستراتيجية)

بناءً على المصادر، إذا كنت تطلق موقعًا جديدًا أو تعيد إحياء موقع قديم، ابدأ بهذه الثلاثية:

1. وضوح الهدف وهيكلية الموقع (Site Structure): قبل كتابة سطر كود واحد، يجب أن يكون لديك هيكل “مسطح” (Flat Structure) ومنظم. يجب أن تكون أي صفحة في موقعك قابلة للوصول في نقرات قليلة (3-4 نقرات) من الصفحة الرئيسية. الهيكلية المعقدة تخلق “صفحات يتيمة” (Orphan Pages) لا يصل إليها أحد.

2. تحديد الأسواق والجمهور: هل تستهدف سوقًا محليًا؟ أم دوليًا؟ هذا القرار يغير كل شيء. إذا كنت تستهدف دولاً متعددة، يجب تحديد ذلك من البداية لأن الهيكلية ستختلف جذريًا.

3. الأساسيات التقنية للموبايل: جوجل الآن يطبق “فهرسة الموبايل أولاً” (Mobile-first indexing). هذا يعني أن جوجل يقيم موقعك بناءً على نسخته في الهاتف، وليس الكمبيوتر. مصطلح هام: فهرسة الموبايل أولاً: هي أن جوجل يستخدم نسخة هاتفك المحمول لأرشفة وترتيب المحتوى. إذا كان موقعك ممتازًا على الكمبيوتر وسيئًا على الهاتف، فأنت خارج المنافسة.

ما الذي يجب تأجيله؟ (لا تحرق ميزانيتك هنا الآن)

هناك مهام مغرية لكنها لا تؤثر في البدايات، وتأجيلها هو قمة الحكمة:

بناء الروابط الخارجية (Off-site SEO) قبل المحتوى: لا تبدأ حملات علاقات عامة أو بناء روابط (Backlinks) وموقعك فارغ أو ضعيف تقنيًا. ركز على المحتوى والأداء التقني أولاً. الروابط تأتي لتقوية “شيء موجود بالفعل”، لا يمكنك تقوية الفراغ.

بناء السلطة يتطلب وقتًا، وهنا يجب أن تعرف متى تتوسع ومتى تثبت موقعك

التحسينات الشكلية المتقدمة: مثل البيانات المنظمة المعقدة (Schema Markup) أو تسريع الموقع بأجزاء من الثانية، بينما لا تزال لديك مشاكل في المحتوى المكرر أو الصفحات التي لا تفتح.

التوسع في الكلمات المفتاحية شديدة التنافس: لا تحاول منافسة العمالقة على كلمات مثل “تأمين” أو “عقارات” في يومك الأول. ابدأ بالكلمات الطويلة والأكثر تحديدًا (Long-tail keywords).

5. ما الذي يجب تجاهله تمامًا؟ (الضوضاء)

النصائح العامة بلا سياق: مثل “يجب أن يكون المقال 2000 كلمة”. جوجل لا يهتم بطول المحتوى بقدر اهتمامه بكونه “مفيدًا ومقنعًا”. الإجابة القصيرة الشافية أفضل من الإطالة المملة.

هوس “الدرجة الكاملة” في الأدوات: الحصول على درجة 100/100 في أدوات الفحص الآلي لا يعني بالضرورة أنك ستتصدر النتائج. هذه الأدوات تعطيك مؤشرات، وليست شهادة ضمان من جوجل. التركيز يجب أن يكون على حل مشاكل المستخدم، لا إرضاء الأداة.

الكلمات المفتاحية في اسم النطاق (Domain Name): لا تضيع وقتك في البحث عن اسم نطاق يحتوي الكلمة المفتاحية بالضبط (مثل best-pizza-in-cairo.com). تأثير هذا العامل أصبح ضئيلاً جدًا، والأهم هو بناء علامة تجارية (Brand) قوية.

الفرق بين البداية الصحيحة والخاطئة

الموقع الذي يبدأ خطأ: يختار كلمات مفتاحية ضخمة، يكتب محتوى عشوائيًا، ثم يكتشف بعد 6 أشهر أن هيكلية الموقع تمنع جوجل من رؤية هذا المحتوى. النتيجة: إعادة بناء الموقع من الصفر (تكلفة مضاعفة).

الموقع الذي يبدأ صح: يقضي الأسابيع الأولى في التخطيط. يحدد “هرم الأولويات”: (هل يمكن لجوجل الوصول؟ -> هل المحتوى يجيب على الأسئلة؟ -> هل الهيكلية تسمح بالنمو؟). هذا الموقع قد ينمو ببطء في البداية، لكنه ينمو بثبات ولا ينهار مع أي تحديث.

الخلاصة

الآن، أصبحت تملك “فلترًا” لاتخاذ القرار.

• هل هذه المهمة تقع في قاعدة الهرم (إمكانية الزحف)؟ إذن هي أولوية قصوى.

• هل هي في قمة الهرم (تحسينات شكلية)؟ يمكنها الانتظار.

بهذا الترتيب، أنت جاهز للدخول في التفاصيل التقنية، ولكن ليس بأسلوب المبرمجين المعقد، بل بأسلوب “المدير الذي يعرف ما يريد”.

في الفصل القادم: (السيو التقني بدون تعقيد)، سنكشف لك عن “المفاتيح التقنية” القليلة التي تحتاج لامتلاكها، وكيف تتحدث مع المطورين بلغتهم دون أن تكون خبير برمجة.

اترك تعليقا

زر العودة إلى الأعلى
Photo by Uriel Soberanes on Unsplash

أشترك في نشرتنا الاخبارية

هل ترغب في مواكبة أحدث اخبار تحسين محركات البحث؟ اشترك في مدونتنا وكن أول من يحصل على آخر الأخبار من جميع أنحاء العالم!